أسعد وحيد القاسم

84

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة

وليت عنا وأنت ملاق الله عز وجل فسائلك ، فما أنت قائل ؟ فقال أبو بكر : لئن سألني الله لأقولن : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي ) ( 1 ) . ومن المعلوم أن أبا بكر في نزاعه الأخير وقد اشتد به المرض ، قال في تبرير عهده بالخلافة لعمر وعدم تركها للتشاور ، هو خشيته من الاختلاف بعده ، وقالت عائشة إن أباها فعل ذلك لحكمة بالغة وهي للحيلولة دون حصول الفتنة بعده ، وهكذا قال كل من أيد فعل أبي بكر ، بل وعد فعله هذا من دلائل حيطته وعبقريته . ولكن ما يثير انتباه الباحثين هو أن حال المسلمين عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت أقرب إلى الاختلاف والفتنة من حالهم عند وفاة أبي بكر ، وأي فتنة ستكون أكبر من فقدان صاحب الرسالة ، حتى أن عمر قد فقد صوابه عند سماعه خبر الوفاة ، وذهب ينكر إمكانية موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومهددا " بقتل كل من يقول بذلك ، بالإضافة إلى ما حصل في السقيفة والردة وخطر الفرس والروم ، أفلم يفطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما فطن إليه أبو بكر ؟ والتساؤل الآخر : لماذا لم يوصف حال أبي بكر بالهجران مع أنه أغمي عليه قبل أن يتم كتابة وصيته باستخلاف عمر ، كما رمي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوصف في مرضه الأخير ؟ منع الخليفة تدوين السنة النبوية أو التحدث بها عن عروة ، قال : ( أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن ، فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله شهرا " ، ثم أصبح يوما " وقد عزم الله له ، فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما " كانوا قبلكم كتبوا فأكبوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا " ) ( 2 ) .

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 37 . ( 2 ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 206 ، كنز العمال ص 239 حديث رقم 4860 .